أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

511

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والاحتمال الثاني : أن يكون في الأصل مصدرا ثم أطلق على المشيء المتقرّب به كقولهم : « نسج اليمن » و « ضرب الأمير » ويؤيّد ذلك أنه لم يثنّ والموضع موضع تثنية ؛ لأنّ كلا من قابيل وهابيل له قربان يخصّه ، فالأصل : إذ قرّبا قربانين وإنما لم يثنّ لأنه مصدر في الأصل . وللقائل بأنه اسم ما يتقرّب به لا مصدر أن يقول : إنما لم يثنّ ، لأنّ المعنى - كما قاله أبو علي الفارسي - إذ قرّب كلّ واحد منهما قربانا كقوله تعالى : « فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً » « 1 » أي : كلّ واحد منهم . وقوله : قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ أي : قال الذي لم يتقبّل منه للمقبول منه . وقرأ الجمهور : « لَأَقْتُلَنَّكَ » بالنون الشديدة . وهذا جواب قسم محذوف ، وقرأه زيد بالخفيفة . قال : إنما يتقبّل اللّه » مفعوله محذوف لدلالة المعنى عليه أي : قرابينهم وأعمالهم ، ويجوز ألّا يراد له مفعول كقوله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى « 2 » هذه الجملة قال أبو محمد بن عطية : « قبلها كلام محذوف ، تقديره : لم تقتلني وأنا لم أجن شيئا ولا ذنب لي في تقبّل اللّه قرباني دون قربانك ؟ » وذكر كلاما كثيرا . وقال غيره : « فيه حذف يطول » وذكر نحوه ، ولا حاجة إلى تقدير ذلك كله ، إذ المعاني المفهومة من فحوى الكلام إذا قدّرت قصيرة كان أحسن ، والمعنى هنا : قال لأقتلنك حسدا على تقبّل قربانك فعرّض له بأنّ سبب التقبّل التقوى . وقال الزمخشري : « فإن قلت : كيف كان قوله : « إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » جوابا لقوله : « لَأَقْتُلَنَّكَ ؟ قلت : لمّا كان الحسد لأخيه على تقبّل قربانه هو الذي حمله على توعّده بالقتل ، قال : إنما أتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى » انتهى . وهذا ونحوه من تفسير المعنى لا الإعراب . وقيل : إن هذه الجملة اعتراض بين كلام القاتل وبين كلام المقتول . والضمير في « قالَ » إنما يعود على اللّه تعالى ، أي : قال اللّه ذلك لرسوله فيكون قد اعترض بقوله : « إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ » بين كلام قابيل وهو : « قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ » وبين كلام هابيل ، وهو « لَئِنْ بَسَطْتَ » إلى آخره ، وهو في غاية البعد لتنافر النظم . واللام في قوله : لَئِنْ : هي الموطئة . وقوله : « ما أَنَا بِباسِطٍ » جواب القسم المحذوف ، وهذا على القاعدة المقرّرة من أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب سابقهما إلا في صورة تقدّم التنبيه عليها . وقال الزمخشري : « فإن قلت : لم جاء الشرط بلفظ الفعل ، والجزاء بلفظ اسم الفاعل وهو قوله : « لَئِنْ بَسَطْتَ ، ما أَنَا بِباسِطٍ » ؟ قلت : ليفيد أنه لا يفعل هذا الوصف الشنيع ، ولذلك أكّده بالباء المفيدة لتأكيد النفي » وناقشه الشيخ « 3 » في قوله : « إنّ ما أنا بباسط » « جزاء للشرط » قال : « لأنّ هذا جواب للقسم لا للشرط » ، قال : « لأنه لو كان جوابا للشرط لزمته الفاء لكونه منفيا ب « ما » والأداة جازمة ، وللزم أيضا خرم تلك القاعدة ، وهو كونه لم يجب الأسبق منهما » . وهذا ليس بشيء لأن أبا القاسم سمّاه جزاء للشرط لمّا كان دالا على جزاء الشرط ، ولا نكير في ذلك ، ولكنه مغرى بأن يقال : قد اعترض على الزمخشري وقال أيضا : « وقد خالف الزمخشري كلامه هنا بما ذكره في البقرة في قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ « 4 » من كونه جعله جوابا للقسم سادا مسدّ جواب الشرط ، وله معه هناك كلام قد قدّمته عنه في موضعه فليراجع » . قوله تعالى : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ : فيه ثلاثة تأويلات :

--> ( 1 ) سورة النور ، الآية ( 4 ) . ( 2 ) سورة الليل ، الآية ( 5 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 462 ) ( 4 ) انظر تفسير الآية ( 145 ) .